Uncategorized

تاريخ محطات الطاقة النووية وسر تفوق الصين (مقال)

تختلف مفاعلات الطاقة النووية عن بعضها في أمور عدّة، إذ على الرغم من أننا في الغرب، ما زلنا نبني مفاعلات تعتمد على تقنية قديمة وغير مناسبة لحل مشكلة تحول الطاقة.

فقد خطت الصين مؤخرًا خطوات هائلة في تبنّي تصميمات مفاعلات متقدمة أفضل وأكثر أمانًا.

وتحتلّ الصين مركز الصدارة في مجال التكنولوجيا النووية، بفارق كبير، وفي رأيي أن بيروقراطية الحكومات الغربية تمنع الغرب من التنافس المنشود مع الصين.

ويُعدّ هذا أمرًا بالغ الأهمية، لأننا ما لم نغير أساليبنا ونلحق بأحدث تقنيات المفاعلات، فإن الصين سوف تسيطر على الطاقة عالميًا، على مدى الأعوام الـ100 المقبلة.

وتكمن المشكلة في أن الصين اخترعت مفاعلات نووية أفضل مما لدينا في الغرب، وينبع ذلك من أن الصين أدركت أن أفضل تصميمات المفاعلات النووية التي طُوِّرَت في الولايات المتحدة لم تُسَوَّق في الغرب، بسبب الإجراءات الحكومية المعقّدة.

وكل ما كان على الصين أن تفعله هو أن تأخذ تصميمات المفاعلات النووية التي تخلّى عنها الغرب في ستينيات القرن الماضي، وتبدأ في بنائها.

وقد حققت الصين نجاحًا كبيرًا باستعمال التقنية التي موّلتها الضرائب التي دفعها والدي، وكان ينبغي علينا توحيد معايير إنتاج الطاقة النووية للأغراض المدنية لدينا منذ نصف قرن.

من ناحية أخرى، نستمر في الغرب ببناء مفاعلات نووية تعتمد على تقنيات أقدم وأقل موثوقية وأكثر خطورة ما ينبغي.

وعلى الرغم من أن الجيش الأميركي يقود العالم بوضوح في تطوير أنظمة الأسلحة النووية لديه، فقد فشلت حكومة الولايات المتحدة فشلًا ذريعًا في اختيار أفضل التقنيات النووية لتسويقها في إنتاج الطاقة النووية للأغراض المدنية.

وتمّ تطوير تصميمات المفاعلات التي تبنيها الصين الآن على نفقة دافعي الضرائب الأميركيين في الستينيات، وكان من الممكن تفادي حوادث جزيرة ثري مايل، وتشرنوبيل، وفوكوشيما، بشكل كامل، لو أننا وحّدنا معايير إنتاج الطاقة النووية للأغراض المدنية في تلك التصاميم المتفوقة في أوائل السبعينيات.

بدلًا من ذلك، تخلّينا عن التصاميم المتفوقة، ووحّدنا بدلًا من ذلك تصاميم المفاعلات في أوائل الخمسينيات من القرن الـ20، المعروفة مجتمعةً باسم مفاعلات الماء الخفيف، وكان هذا أحد أسوأ الأخطاء السياسية في تاريخ حكومتنا، باختصار، كان اختيار التقنية سياسيًا، وليس من قبل الخبراء.

في البدء، كانت القنبلة

تمت جميع الأبحاث النووية الأكثر أهمية خلال مشروع مانهاتن، وتَمثَّل هدف الجيش الأميركي في الحصول على القنبلة النووية قبل النازيين، من أجل الفوز بالحرب العالمية الثانية، وهذا كل ما اهتموا به، ولم تكن الطاقة النووية المدنية هدفًا على الإطلاق.

لفهم تطور الطاقة النووية، من الضروري أن نفهم أولًا أن تطويرها لم يكن أبدًا من أولويات الحكومة.

كانت فرصة تسخير الانشطار النووي لتوليد الطاقة النووية للأغراض المدنية واضحة للعلماء والمهندسين العاملين على القنبلة، وقد تحدّث العديد منهم للإشارة إلى أن برنامج الطاقة النووية المدنية له ما يبرره، وتجاهلت الحكومة هذه الفرصة تمامًا، في البداية.

ويتمثل السبب الوحيد لتطوير التكنولوجيا النووية المدنية في أن الطاقة النووية (على عكس الأسلحة النووية) خضعت للبحث والتطوير خصوصًا لتشغيل الغواصات النووية العسكرية.

لدى تطوير مفاعلات الطاقة لتشغيل الغواصات، كانت جميع الأعمال الهندسية قد أُنجِزَت، وكان ربط أحد مفاعلات الدفع البحرية بتوربين بخاري لإنتاج الكهرباء على اليابسة فرصة واضحة اعترفت بها الحكومة، أخيرًا.

وبعد أن أصبحت الطاقة النووية المدنية مبادرة سياسية، فإن الأولوية (ومبلغ التمويل البحثي) التي تلقّتها تضاءلت مقارنة ببرنامج الأسلحة، إذ أجريت جميع الأبحاث الأكثر أهمية حول الانشطار النووي.

ولم يُجرَ أيّ بحث رسمي تقريبًا للنظر في ما إذا كان تصميم المفاعل المختار للغواصات هو الأفضل لإنتاج الطاقة النووية المدنية، واستعملوا فقط ما لديهم، لأنه ثبت نجاحه.

مصادر المواد الانشطارية

يقال، إن العناصر الثقيلة تكون انشطارية إذا كانت قادرة على تحمّل التفاعل النووي المتسلسل عند قذفها بالنيوترونات منخفضة الطاقة، وبعبارة أخرى، المواد الانشطارية هي المادة التي تحتاج إليها لصنع قنبلة أو مفاعل نووي.

من الناحية النظرية، هناك الكثير من النظائر الانشطارية للعناصر الثقيلة، ولكن واحدًا منها فقط، وهو اليورانيوم 235، الموجود في الطبيعة بكميات كافية بحيث يمكن استخراجه وتنقيته وتحويله إلى مواد انشطارية، يمكن استعماله لصنع قنبلة أو وقودًا لمحطة للطاقة النووية.

ويمثّل اليورانيوم 235 نسبة 0.7% فقط من اليورانيوم الطبيعي المستخرج من الأرض، والباقي هو اليورانيوم 238، وهو غير قابل للانشطار، ومن ثم لا يمكن استعماله وقودًا للمفاعلات النووية.

في الأربعينيات من القرن الـ20، لم يكونوا متأكدين من كمية اليورانيوم التي يمكن استخراجها من الأرض، وكانوا يعلمون أن أقل من 1% منها عبارة عن نوع انشطاري من اليورانيوم الذي يمكن أن يكون له أيّ استعمال في صنع القنابل أو الطاقة النووية المدنية.

والأسوأ من ذلك، أن العملية الوحيدة المعروفة في ذلك الوقت لتخصيب اليورانيوم الطبيعي (بمعنى زيادة نسبة اليورانيوم 235 وتقليل نسبة اليورانيوم 238) كانت تسمى “الانتشار الغازي”، وكانت باهظة الثمن إلى حدّ كبير، وتستغرق وقتًا طويلًا.

أبراج التبريد في محطة للطاقة النووية تابعة لشركة كهرباء فرنسا في منطقة سان لوران نوان بفرنسا
أبراج التبريد في محطة للطاقة النووية تابعة لشركة كهرباء فرنسا في منطقة سان لوران نوان بفرنسا – الصورة من رويترز

وكانوا يعلمون أنهم بحاجة إلى ما لا يقلّ عن 90% من اليورانيوم 235 لصنع قنبلة، لذلك تطلّب الأمر الكثير من التخصيب.

وأُطلق مشروع سرّي ضخم في أوك ريدج بولاية تينيسي لتخصيب أكبر قدر ممكن من اليورانيوم الطبيعي وتحويله إلى يورانيوم “مستعمَل في صنع الأسلحة”، وصُنِّفَ بنسبة 90%، أو أعلى من محتوى اليورانيوم 235.

ولم يكن لدى مئات العمال، الذين يشغّلون الآلات المستعملة للقيام بهذه المهمة أيّ فكرة عن غرض أو وظيفة المعدّات التي كانوا يشغّلونها.

كان الأمر كله سريًا للغاية، ولم يعرف سوى عدد قليل من الأشخاص الغرض من هذا المشروع الضخم في مختبر أوك ريدج الوطني، واستغرق الأمر سنوات لتخصيب ما يكفي من اليورانيوم 235 لصنع قنبلة هيروشيما.

ونظرًا للتحديات المتمثلة في الحصول على ما يكفي من اليورانيوم 235 لصنع قنبلة، أعطى مشروع مانهاتن أولوية عالية للغاية لمعرفة طريقة العثور على بديل لليورانيوم 235، وتمكّن العلماء من تصوُّر عملية بارعة تستعمل تفاعل سلسلة الانشطار النووي لتحويل عنصر كيميائي إلى عنصر آخر.

وقد أتاح هذا الابتكار المهم للباحثين إدراج نظيرين مشعّين آخرين، اليورانيوم 233 والبلوتونيوم 239، في قائمة المكونات المحتملة لصنع القنابل.

تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد مصدر طبيعي لأكثر من كميات ضئيلة من أيّ من تلك النظائر المشعة.

والطريقة الوحيدة المتاحة أمام البشر للحصول عليها هي أن يمتلكوا، أولًا، بعض اليورانيوم 235، ثم يستعملوا ذلك اليورانيوم 235 وقودًا لتفاعل سلسلة الانشطار النووي الذي سيُنتج إمّا اليورانيوم 233 أو البلوتونيوم 239 منتجًا ثانويًا من ذلك التفاعل الانشطاري المتسلسل.

عند سؤال معظم الناس اليوم عن تعريف “المفاعل النووي”، من المحتمل أن يخبروك أنه اختراع لإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية، ولكن لم يكن هذا هو الغرض الأصلي للمفاعلات النووية، التي كانت تُعرف في الأصل باسم المفاعلات المتسلسلة.

ولم يكن الغرض الذي من أجله اختُرِعَت لأول مرة إنتاج الكهرباء، وإنما تصنيع النظائر المشعة الانشطارية، التي لا توجد في الطبيعة بكميات كافية لتكون قادرة على صنع قنابل منها.

وكان صنع البلوتونيوم 239 أمرًا سهلًا نسبيًا، وتُعرف العملية باسم “الاستنسال، التوليد”، ويعتمد التصميم الخاص لمفاعل التوليد باليورانيوم المخصب على اليورانيوم 235 للحفاظ على تفاعل سلسلة الانشطار النووي الذي يحدث في قلب المفاعل.

في المقابل، زوّد هذا التفاعل المتسلسل نفسه بوفرة من النيوترونات التي أُطلِقَت بوساطة انشطار اليورانيوم 235.، وامتُصَّت بعض تلك النيوترونات بواسطة اليورانيوم 238 الذي لم يكن انشطاريًا في حدّ ذاته، وحوّل امتصاص تلك النيوترونات اليورانيوم 238 إلى نظائر انشطارية مختلفة للبلوتونيوم.

وكانت وظيفة مفاعل التوليد هي تحويل اليورانيوم 238، الذي كان يُعتقد سابقًا أنه عديم الفائدة، إلى بلوتونيوم 239 الانشطاري، وكان أكثر ملاءمة لصنع القنابل من اليورانيوم 235.

ونُفِّذ مشروع كبير آخر سرّي للغاية في منطقة هانفورد، بواشنطن لتصنيع البلوتونيوم 239، باستعمال مفاعل توليد تجريبي.

وتمثلت الفكرة في الحصول على مصدر احتياطي للمواد الانشطارية في حالة فشل المشروع بمختبر أوك ريدج في إنتاج ما يكفي من اليورانيوم 235 لصنع قنبلة.

وفي النهاية، كان كلا المشروعين ناجحين، وصُنعت قنبلة هيروشيما من اليورانيوم 235 المخصب في أوك ريدج، وصُنعت قنبلة ناغازاكي من البلوتونيوم 239 الذي يصنعه مفاعل التوليد في هانفورد.

والمرشح المتبقي هو اليورانيوم 233، وهو نظير آخر لليورانيوم يمكن استعماله نظريًا لصنع قنبلة، إذ لا يوجد اليورانيوم 233 في الطبيعة، ولكن يمكن استخلاصه من عنصر آخر يسمى الثوريوم 232، باستعمال نوع خاص من مفاعلات التوليد.

وأدرك علماء الأبحاث بسرعة أنه سيكون من الصعب والمكلف صنع قنبلة من اليورانيوم 233 غير المستقر نسبيًا، مقارنة بالبلوتونيوم 239 أو اليورانيوم 235.

لذلك، رفض مشروع مانهاتن اليورانيوم 233 والثوريوم المستعمَل لإنتاجه، وركّز فقط على النظيرين الآخرين اللذين كانا أكثر ملاءمة لصنع القنابل.

سأشرح ما علاقة كل هذا بالطاقة النووية المدنية اليوم في هذا المقال.

من القنابل النووية إلى الطاقة النووية

عند انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة، اكتشف الجيش الأميركي فجأة حاجته إلى الطاقة النووية، بالإضافة إلى الأسلحة النووية.

وقدّم الأدميرال هيمان ريكوفر الحجة لصالح غواصة تعمل بالطاقة النووية يمكن أن تظل مغمورة بالمياه إلى أجل غير مسمى تقريبًا، ويمكن تسليحها في النهاية بصواريخ نووية تُطلق من الغواصات، ولا يمكن أبدًا تعطيلها بوساطة ضربة أولى من جانب العدو.

سعيًا وراء دفع الغواصات النووية، عُرِض توليد الكهرباء من مفاعل نووي لأول مرة في مختبر أبحاث تابع للحكومة الأميركية عام 1951.

ودخلت الغواصة النووية نوتيلوس الخدمة بعد 4 سنوات فقط في عام 1955، واستعملت تصميمًا جديدًا للمفاعل يسمى مفاعل الماء الخفيف المضغوط (PLWR).

وصمّم هذا المفاعل ألفين واينبرغ، الذي أكد لاحقًا في سيرته الذاتية عام 1997 أنه اختار مفاعل الماء الخفيف المضغوط فقط لأنه كان أكثر ملاءمة للمساحة الضيقة المتاحة داخل هيكل الغواصة.

عند التفكير في الطاقة النووية المدنية لاحقًا، اتُّخِذ قرار بتأسيس جميع محطات توليد الكهرباء النووية المدنية على تصميم مفاعل الماء الخفيف نفسه الذي ثبت أنه يعمل لتشغيل الغواصات.

والآن، من المهم جدًا فهم النقطة التالية: لقد اتُّخِذ هذا القرار من قبل البيروقراطيين، وليس من قبل العلماء والمهندسين.

وكان الدافع وراء القرار أن مفاعل الماء الخفيف قد ثبت أنه يعمل في الغواصات، لذلك اعتقدوا أنه من المنطقي استعمال ما هو معروف للعمل فقط، بدلًا من بذل الكثير من الوقت والمال بالتفكير في تصميمات أخرى.

وعلى عكس الاعتقاد الخاطئ السائد حتى يومنا هذا في صناعة الطاقة النووية، فإن اختيار تصميم مفاعل الماء الخفيف للطاقة النووية المدنية لم يتمّ بالتأكيد بعد أيّ نوع من المنافسة بين تصاميم المفاعلات على أساس الجدارة، كما تمّ تقييمها من قبل العلماء والمهندسين، وقد أكد واينبرغ هذه النقطة في كتابه.

بحلول عام 1958، بعد 7 سنوات فقط من أول عرض مختبري للكهرباء من الطاقة النووية، كان لديهم الكثير من الخبرة في تشغيل مفاعلات الماء الخفيف، واكتشفوا أن أسوأ مخاطر السلامة كان انصهار قضبان الوقود وانفجارات الهيدروجين، مثل تلك التي نسفت أسطح مباني المفاعل في فوكوشيما بعد 53 عامًا.

لقد عرفوا منذ عام 1958 أن المشكلة برمّتها التي تسبّب هذه المخاطر على السلامة كانت اختيار الماء مبردًا لقلب المفاعل.

الطاقة النووية

لذلك أُجريَت تجربة مفاعل الملح المنصهر في عام 1958 لاستكشاف تصميم أفضل للمفاعل من شأنه التغلب على مشكلات السلامة المتأصلة المرتبطة بالمفاعلات المبردة بالماء.

وكان مخترع مفاعل الماء الخفيف المضغوط، في ذلك الوقت، ألفين واينبرغ، مديرًا لمختبر أوك ريدج الوطني، وكانت تجربة مفاعل الملح المنصهر بأكملها بإشرافه.

ولوضع ذلك في نصابه الصحيح، قبل أكثر من 20 عامًا من حادث جزيرة ثري مايل، توقّع فريق واينبرغ أن ذوبان قضبان الوقود وانفجارات الهيدروجين سيكون خطرًا كبيرًا على الطاقة النووية المدنية، لذلك شرعوا في حل هذه المشكلة قبل حدوثها، كان للحادث الأول فرصة أن يحدث.

لقد نجحوا في حل هذه المشكلات بحلول أواخر الستينيات، ولكن للأسف لم تُسَوَّق هذه الحلول مطلقًا أو تُستعمَل قبل وقوع الحوادث.

وتمّ بناء أول مفاعل للملح المنصهر عام 1964 في مختبر أوك ريدج الوطني، وقد أدى إلى القضاء تمامًا على مخاطر انصهار قضبان الوقود وانفجارات الهيدروجين، وكانت تعمل بالثوريوم بدلًا من اليورانيوم 235.

والآن، أصبحت هذه النقطة في غاية الأهمية: بالعودة إلى الصورة الكبيرة، ستواجه الطاقة النووية في نهاية المطاف معارضة شعبية هائلة بسبب مخاطر انتشار الأسلحة النووية.

وكان الجميع خائفين من إساءة استعمال محطات الطاقة النووية بطريقة أو بأخرى، لإنتاج المزيد من المواد الانشطارية المستعمَلة في صنع الأسلحة، لصنع القنابل.

في الواقع، كان هذا الخطر أقل بكثير مما كان متوقعًا، لأن مفاعلات الطاقة المدنية غير القابلة للتوليد لا تنتج كمية مفيدة من البلوتونيوم.

وكان التصور يتغلب على الواقع، وكانت مخاوف عامة الناس تتغذى على الناشطين المناهضين للطاقة النووية الذين تمولهم شركات النفط الكبرى، سرًا، للقضاء على صناعة الطاقة النووية التكوينية.

وشرحت سابقًا أن مشروع مانهاتن قد رفض اليورانيوم 233 والثوريوم 232 بعدّهما مضيعة كاملة للوقت، لأنه حتى علماء مشروع مانهاتن اعتقدوا أن بناء قنبلة من اليورانيوم 233 سيكون صعبًا إلى درجة أنه غير عملي.

وزُوِّدَ مفاعل الملح المنصهر التجريبي بالثوريوم بدلًا من اليورانيوم على وجه التحديد، لأن ألفين واينبرغ رأى أن النقاش بشأن انتشار الأسلحة قادم، وأدرك الحاجة إلى مفاعلات طاقة نووية مدنية لا يمكن إعادة استعمالها لصنع القنابل.

ومن اللافت للنظر أن واينبرغ وفريقه في أوك ريدج كانوا يتمتعون برؤية ثاقبة في عام 1964.

مفاعل الثوريوم المولد: اختراع منسيّ

لم تُسَوَّق المفاعلات التي تعمل بوقود الثوريوم على الإطلاق حتى وقت قريب للغاية، عندما بدأت الصين في بنائها باستعمال أبحاث أوك ريدج التي موّلها والداي من أموال الضرائب في ستينيات القرن الـ20.

في عام 2018، بدأت الصين في بناء أول مفاعل للملح المنصهر يعمل بالوقود الثوريوم في صحراء غوبي، وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلنت الصين أنها ستبني سفن حاويات تعمل بمفاعلات الملح المنصهر وبوقود الثوريوم، ما يمثّل أول تسويق طال انتظاره لهذا التصميم المتقدم للمفاعل.

ويعود السبب في عدم تسويق هذا التصميم المتفوق تجاريًا في الغرب إلى أن البيروقراطيين المسؤولين عن البرنامج النووي الأميركي كانوا يعلمون أن مشروع مانهاتن الموقر قد قرر أن الثوريوم واليورانيوم 233 هما “طريق مسدود”.

وقد اتُّخِذ قرار لتوحيد تصميمات مفاعلات الماء الخفيف للأغراض النووية المدنية.

ويُعدّ الثوريوم واليورانيوم 233 طريقًا مسدودًا إذا كان الهدف صنع قنبلة، ولكن إذا كانت الغاية منع أيّ شخص من إعادة استعمال مفاعل طاقة نووية مدني لمحاولة صنع قنبلة، فإن الثوريوم واليورانيوم 233 يُعدّان خيارًا مثاليًا، لأنهما غير مناسبين لصنع القنابل.

لقد فهم واينبرغ وفريقه في أوك ريدج كل هذا في أوائل الستينيات.

ولم تُسَوَّق مفاعلات الملح المنصهر تجاريًا في الغرب مطلقًا، وقد صرّح واينبرغ لاحقًا في سيرته الذاتية التي كتبها عام 1997 أنه يعتقد أن التخلي عن الملح المنصهر والثوريوم كان واحدًا من أعظم المآسي في العصر النووي الأول.

بقدر ما أستطيع أن أقول، حتى يومنا هذا، المشكلة ببساطة هي أن البيروقراطيين المسؤولين ما زالوا متمسكين بالإستراتيجية المبسطة المتمثلة في توحيد جميع الطاقة النووية المدنية بمفاعلات الماء الخفيف لأنها أثبتت فعاليتها في الغواصات، لذا فمن المؤكد أنه يجب أن تكون جيدة يكفي للطاقة المدنية.

وعندما سئلوا عن سبب عدم اعتمادهم للثوريوم مطلقًا، لجؤوا إلى العذر القائل بأن مشروع مانهاتن الموقر قرر أن الثوريوم واليورانيوم 233 كانا طريقًا مسدودًا ومضيعة للوقت، ومن الواضح أنهم يستعملون هذه النقطة بشكل سيئ إلى حدّ ما.

الطاقة النووية اليوم: هل نحن مستعدون لانتقال الطاقة؟

من الواضح أنه لكي نتمكن من حل مشكلة تحول الطاقة، يتعين علينا أن ننظر إلى أفضل تصميمات المفاعلات المتاحة، تمامًا كما تفعل الصين حاليًا بنجاح كبير.

ما يثير الاستغراب هو أنه لدى بحث الصين عن أفضل تصميم للمفاعل في القرن الـ21، اختاروا مفاعل إنتاج ملح الثوريوم المنصهر لدى واينبرغ من الستينيات، وهو الأمر نفسه الذي اعتقد واينبرغ أنه كان ينبغي للولايات المتحدة تسويقه تجاريًا في السبعينيات.

والأمر المحيّر هو أنه حتى يومنا هذا، ما تزال جميع محطات الطاقة النووية المدنية التي بُنِيَت في الغرب تستعمل مفاعل الماء الخفيف المضغوط الذي عفا عليه الزمن في الخمسينيات، وابن عمه القريب، مفاعل الماء المغلي، حتى يومنا هذا.

تقنيات الطاقة النووية

والأسوأ من ذلك، أن هناك تصورًا واسع النطاق في صناعة الطاقة النووية بأن تصميم مفاعلات الماء الخفيف المضغوط اختيرَ بعناية بعد تقييم دقيق لجميع التصميمات المتاحة، وكان العلماء والمهندسون هم من قرروا أن تصاميم مفاعلات الماء كانت الخيار الأفضل للطاقة النووية المدنية.

إنهم يدرّسون هذه الدعاية في برامج جامعات الهندسة النووية الغربية، على الرغم من أن مخترع مفاعل الماء الخفيف المضغوط فضح هذه الأساطير بوضوح في كتابه “العصر النووي الأول”.

لحل مشكلة تحول الطاقة وتغير المناخ، نحتاج إلى التركيز على أفضل تصميمات المفاعلات وأكثرها ملاءمة. يعدّ مفاعل الثوريوم التوليدي der الموصوف أعلاه أحد التصميمات المهمة جدًا التي توفر مزايا أمان استثنائية مقارنة بمفاعلات الماء الخفيف.

التصميم المهم الآخر هو المفاعل عالي الحرارة المبرد بالغاز، الذي يُطلق عليه أحيانًا “مفاعل الطبقة الحصوية”.

ويكمن السبب وراء أهمية المفاعلات ذات درجة الحرارة المرتفعة لتحقيق تحول الطاقة في كونها مناسبة لإنتاج الهيدروجين.

ولأسباب مختلفة خارجة عن نطاق هذا المقال، يُعدّ الهيدروجين مهمًا جدًا لحل مشكلة الوقود السائل في تحول الطاقة.

وتدرك الصين كل هذا تمامًا، وقد بنوا مفاعلات الثوريوم التوليدية والمفاعلات عالية الحرارة المبردة بالغاز.

وأعلنوا عزمهم تزويد سفن الحاويات بالطاقة اعتمادًا على مفاعلات الملح المنصهر التي تعمل بوقود الثوريوم.

إنهم يفهمون بوضوح أهمية الهيدروجين، وقد وضعوا مفاعلًا واحدًا كامل النطاق عالي الحرارة على الأقل في الخدمة، لدعم إنتاج الهيدروجين.

ببساطة، تقوم الصين بكل ما كان ينبغي علينا القيام به منذ عقود مضت، في حين تواصل حكومة الولايات المتحدة تجاهل الحاجة إلى اعتماد تصميمات المفاعلات النووية الأكثر تقدمًا، التي ثبت أنها متفوقة على مفاعلات الماء الخفيف منذ عقود مضت.

لماذا لا تستطيع مفاعلات الماء الخفيف إيصالنا إلى مرحلة تحول الطاقة

تهدر مفاعلات الماء الخفيف 95% من وقود اليورانيوم الذي تستهلكه، والنتيجة المباشرة هي أن العالم قد جمع الآن ربع مليون طن متري من نفايات الوقود النووي المستهلك.

يمكن لتصميمات المفاعلات المتقدمة استعمال كل وقود اليورانيوم تقريبًا مع نفايات أقل بكثير، ويمكن للمفاعلات المتقدمة التي تطورها شركة كوبنهاغن أتوميكس Copenhagen Atomics الدنماركية، حاليًا، أن تحرق نفايات الوقود النووي المستهلكة المتبقية من مفاعلات الأمس، وتستعمل تلك النفايات وقودًا!

بدورها، تبني الصين مفاعلات متقدمة يمكنها القيام بكل هذه الأشياء، بينما نواصل نحن في الغرب بناء مفاعلات الماء الخفيف استنادًا إلى تكنولوجيا عفا عليها الزمن، تعود إلى خمسينيات القرن الـ20.

الأمر الأسوأ من ذلك هو أن عددًا هائلًا من الأشخاص الذين يعملون في صناعة الطاقة النووية قد خُدِعوا من خلال الدعاية القائلة بأن مفاعلات الماء الخفيف اختيرَت بعناية، كونها التصميم الأمثل لتوليد الطاقة النووية المدنية من خلال نوع من عملية الاختيار الدقيقة التي يديرها العلماء والمهندسون.

وهذا ببساطة غير صحيح، إذ تحرز الصين تقدمًا كبيرًا في تبنّي تصميمات المفاعلات المتقدمة، بينما يستمر الغرب في الموافقة فقط على تصميمات الماء الخفيف لمحطات الطاقة النووية الجديدة.

مرة أخرى، وفقًا لألفين واينبرغ، الرجل الذي اخترع مفاعل الماء الخفيف المضغوط، فقد اختيرَ لأنه يتناسب مع هيكل غواصة نوتيلوس، ثم جرى توحيده بعد ذلك للاستعمال المدني، لأنه ثبت أنه يعمل في الغواصة، ولم تكن هناك عملية اختيار على أساس الجدارة.

وتُعدّ قازاخستان وروسيا أكبر دولتين تتمتعان بوجود اليورانيوم الطبيعي في العالم، وهما رائدتان في تحويل اليورانيوم وتخصيبه.

وفي حالة تصاعد الوضع الجيوسياسي الحالي إلى الحدّ الذي ينقطع فيه الغرب عن خدمات التحويل والتخصيب الروسية، فسوف يناضل الغرب لمجرد إنتاج وتخصيب القدر الكافي من اليورانيوم، لتزويد أسطوله الحالي من مفاعلات الماء الخفيف.

وسيكون إنتاج ما يكفي من الوقود لتزويد أسطول جديد بالكامل من المفاعلات، من أجل تحول الطاقة، أمرًا غير وارد، إذا كان هذا الأسطول الجديد من المفاعلات يعتمد على تقنية مفاعل الماء الخفيف التي عفا عليها الزمن في الخمسينيات من القرن الماضي، وما تزال هي القاعدة في الغرب.

دعونا نربط كل هذا معًا الآن: فنحن نعتمد على روسيا وقازاخستان في أغلب خدماتنا المتعلقة بالوقود النووي والتخصيب.

وتُعدّ جميع مفاعلات الطاقة النووية المدنية العاملة، أو قيد الإنشاء، أو المقترحة، مصممة بحيث تهدر 95% من الوقود الذي تستهلكه، ما يؤدي إلى إنتاج المزيد من النفايات النووية.

وفي الوقت نفسه، تخطو الصين خطوات كبيرة للأمام في اعتماد تصميمات مفاعلات متقدمة أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، استنادًا إلى أبحاث التصميم التي موّلها آباؤنا وأجدادنا من أموال الضرائب في الولايات المتحدة، لكن الحكومة الأميركية لم تسمح باعتمادها من أجل توليد الكهرباء في الولايات المتحدة.

وتُعدّ هذه هي حالة سياسة الطاقة النووية اليوم في الغرب، وهو وضع محزن.

بصيص أمل من القطاع الخاص

ما الذي حدث لمفاعل الملح المنصهر الذي يعمل بوقود الثوريوم وصممه فريق واينبيرغ بمختبر أوك ريدج الوطني في الستينيات؟

هذا هو التصميم الذي ذكرته سابقًا، ويزيل مخاطر انصهار قضبان الوقود وانفجار الهيدروجين، وهي المشكلات الدقيقة التي تسببت في حوادث جزيرة ثري مايل، وتشرنوبيل، وفوكوشيما.

ماذا حدث لتصميم المفاعل الذي حلّ كل تلك المشكلات، ويستعمل وقود الثوريوم الذي من غير المرجح إعادة استعماله لصنع القنابل؟

يحتاج مفاعل الثوريوم التوليدي إلى تزويده باليورانيوم منخفض التخصيب مرة واحدة فقط، وهي حمولة وقود خفيفة نسبيًا.

ويُعرف هذا باسم “الوقود الأولي”، ويستعمَل لبدء سلسلة تفاعلات الانشطار النووي والحفاظ عليها حتى يُنتِج المفاعل ما يكفي من اليورانيوم 233 من الثوريوم لتزويد نفسه بالوقود دون الحاجة إلى المزيد من وقود اليورانيوم.

توليد الكهرباء من الطاقة النووية

لذا فإن مولد الثوريوم أكثر ملاءمة للنشر على نطاق واسع من تصميمات مفاعلات الماء الخفيف التي ما تزال قياسية في الغرب.

لقد أدركت الصين واستوعبت قيمة هذا التصميم، وأعلنت خططها لاستعماله في تشغيل سفن الحاويات، ومن المؤسف أن معظم صناعة الطاقة النووية الغربية ما يزال يتجاهل هذا التصميم المتفوق، لأن المنظمين الغربيين لا يفهمونه.

وتجسّد وكالة التنظيم النووي الأميركية بيروقراطية هائلة، لدرجة أن معظم الخبراء يتفقون على أن هناك فرصة ضئيلة للموافقة على تصميم مفاعل الملح المصهور هذا الذي يعمل بالوقود السائل الثوريوم لتوليد الطاقة النووية المدنية، ما لم يكن هناك نوع من التوجيه من الرئيس لإعطاء أولوية أكبر لاعتماد تصاميم المفاعلات المتقدمة.

في السنوات القليلة الماضية فقط، شهدنا بصيص أمل في الغرب، وتتشكل صناعة صغيرة الآن، وتعمل أكثر من 12 شركة ناشئة في جميع أنحاء العالم الآن للّحاق بالصين في تسويق مفاعلات الملح المنصهر التي تعمل بوقود الثوريوم، وكانت رائدة لأول مرة في أوك ريدج في الستينيات.

رغم ذلك، فإنها تواجه معركة شاقة في إقناع الهيئات التنظيمية الغربية بالموافقة على مثل هذه التصاميم المتقدمة، وهذا بدوره يجعل المستثمرين المؤسسيين مترددين للغاية في الاستثمار في هذه الشركات البادئة.

وبالنظر إلى أن رأس المال المؤسسي لا يريد أن يمسّ شركات بناء الآلات التي لا يبدو أن الجهات التنظيمية مستعدة للموافقة عليها للتشغيل، فإن هذه الصناعة الصغيرة تتكون، في معظمها، من مشروعات مفضلة لأصحاب المليارات المتحمسين للغاية لإنقاذ العالم من أزمة الطاقة العالمية المقبلة.

إنهم يتقدمون إلى الأمام لفعل “الشيء الصحيح”، على الرغم من فشل الحكومة في الاعتراف بالسياسات المناسبة وتبنّيها.

ومن الأمثلة على ذلك شركة “تيرا باور”، التي أسسها بيل غيتس، ومفاعل الملح المصهور “ناتريوم”.

ويراهن المشروعات على أن أزمة الطاقة ستجبر حكومتنا في النهاية على فعل الشيء الصحيح في النهاية، والموافقة على الفئة نفسها من المفاعلات المتقدمة التي تقوم الصين ببنائها ووضعها في الخدمة حاليًا، على الرغم من سجل المنظمين الغربيين لـ6 عقود في اتّباع سياسة الطاقة النووية الفاشلة.

من هذه الشركات الناشئة، كوبنهاغن أتوميكس Copenhagen Atomics، التي تعمل، حاليًا، على بناء نموذج أولي لمفاعل الثوريوم التوليدي الأكثر تقدمًا، الذي لا يحتاج إلى أيّ وقود يورانيوم على الإطلاق.

وبدلًا من ذلك، يمكنه استعمال نفايات الوقود النووي المستهلك المعادة معالجتها من أسطول مفاعلات الماء الخفيف الحالية، واستهلاك تلك النفايات وقودًا لبدء سلسلة التفاعلات الانشطارية، التي ستؤدي في النهاية إلى توليد ما يكفي من اليورانيوم 233 من الثوريوم لتزويد المفاعل بالوقود إلى أجل غير مسمى.

وتمثل خطة شركة كوبنهاغن أتوميكس لحرق النفايات النووية من مفاعلات الماء الخفيف، في العام الماضي بصفتها وقودًا أوليًا، تقدمًا ملحوظًا في تكنولوجيا المفاعلات، لأنها تلغي الحاجة إلى استهلاك المزيد من وقود اليورانيوم المخصب.

وتوفر حلًا للتخلص من نفايات الوقود النووي المتراكمة التي كان من الممكن تخزينها لمدة 100 ألف عام.

وعلى الرغم من أن هذه الإستراتيجية لا تقلّ عن كونها متميزة من حيث تعزيز تحول الطاقة بكفاءة، فإنها تواجه عقبات تنظيمية خطيرة من جانب الهيئات التنظيمية الغربية.

وتحتوي نفايات الوقود النووي المستهلك المعادة معالجتها على عدّة نظائر من البلوتونيوم. ويُعرف باسم البلوتونيوم المستعمَل في المفاعلات، ولا يمكن استعماله لصنع قنبلة.

على صعيد آخر، لا تميز التشريعات الحالية (التي صيغَت منذ عقود مضت) بين البلوتونيوم الصالح للاستعمال في صنع الأسلحة والبلوتونيوم الصالح للاستعمال في المفاعلات.

من وجهة نظر القانون، فإن البلوتونيوم هو بلوتونيوم، ويُتعامَل معه على أنه مادة نووية من المستوى الأول، يُفترض أنها تشكّل خطرًا كبيرًا على انتشار الأسلحة.

لذا، بموجب القوانين الحالية، إذا أرادت شركة كوبنهاغن أتوميكس تخليص المجتمع من النفايات النووية غير المرغوب فيها المتراكمة على مدى العقود الـ6 الماضية من خلال نشر مفاعلات الملح المنصهر التي تعمل بوقود الثوريوم في جميع أنحاء أفريقيا، فإنه سيُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها معادلة من الناحية القانونية لتصدير الرؤوس الحربية النووية إلى تلك البلدان.

مرة أخرى، لا يمكن استعمال البلوتونيوم المستعمَل في المفاعلات الموجود بالنفايات، التي تريد شركة كوبنهاغن أتوميكس حرقها بصفتها وقودًا أوليًا، لصنع قنبلة.

وما يزال البلوتونيوم على رأس قائمة المواد النووية الخاضعة للرقابة، وصيغَت هذه القوانين لسبب وجيه منذ عقود من الزمن، لكنها لم تتوافق بشكل كبير مع الاحتياجات الحالية للمجتمع، ولا يُبذَل أيّ جهد لإصلاحها أو تحديثها.

لذا، صدِّق أو لا تصدّق، أنه رغم تصميمها ووضع نموذج أولي لمفاعل جديد قادر على تخليص العالم من نفاياته النووية غير المرغوب فيها، فإن شركة كوبنهاغن أتوميكس أصبحت الآن أكثر ميلًا إلى استعمال اليورانيوم المنخفض التخصيب وقودًا أوليًا، من أجل الامتثال التنظيمي.

ويجب تخصيب وقود اليورانيوم المنخفض التخصيب من جانب طرف ما، في مكان ما، في أجهزة الطرد المركزي التي يمكن إعادة استعمالها لتطوير الأسلحة إذا وقعت في الأيدي الخطأ.

ومن الواضح أن القوانين أصبحت قديمة، ولكن قدرة شركة ناشئة صغيرة مثل شركة كوبنهاغن أتوميكس على ممارسة الضغوط من أجل الإصلاح أصبحت معدومة فعليًا.

الحديث عن اليورانيوم 233

تذكّروا أن اليورانيوم 233 لا يوجد في الطبيعة، ولا يمكن إنتاجه من الثوريوم إلّا في مفاعل توليد خاص، من خلال عملية مكلفة للغاية.

وحتى في حالته النقية (يورانيوم 233 بنسبة 100% مع عدم وجود مواد مغشوشة باليورانيوم 238)، فإنه ما يزال غير مستقر وغير عملي لصنع قنبلة من مادة اليورانيوم 233، التي رفض مشروع مانهاتن دراستها.

وخلص بحث ألفين واينبرغ اللاحق بشأن انتشار الأسلحة إلى أنه حتى لو سلّمتَ إرهابيًا كمية وافرة من اليورانيوم 233 النقي، فسيكون من الأسهل صنع قنبلة عن طريق التخلص من اليورانيوم 233، وإيجاد طريقة لتخصيب اليورانيوم 235 لتصنيع الأسلحة.

لذا فإن اليورانيوم 233 لا يحمل في الواقع أيّ خطر انتشار.

كعكة اليورانيوم الصفراء
كعكة اليورانيوم الصفراء – الصورة من موقع وكالة الطاقة الذرية

ويبدو أن هذا يفتح بابًا جديدًا من الفرص، فبدلًا من استعمال نفايات الوقود النووي المستهلك من أسطول مفاعلات الماء الخفيف القديم وقودًا أوليًا، يمكن لشركات مثل كوبنهاغن أتوميكس إنتاج اليورانيوم 233 بدلًا من ذلك في مفاعلات التوليد، واستعمال اليورانيوم 233 وقودًا أوليًا لمفاعلات الملح المنصهر التي تعمل بحرق الثوريوم.

وهذا لا يساعد في التخلص من 250 ألف طن من النفايات النووية المتراكمة التي تَصوَّر مؤسّسو كوبنهاغن تخليص العالم منها، لكنه على الأقل يوفر طريقة آمنة لتزويد أسطول مفاعلات الثوريوم بالوقود الأولي الذي لا يمكن استعماله عمليًا في صنع القنابل.

إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة تحتلّ موقعًا رائدًا فيما يتعلق باليورانيوم 233، إذ أنتجت أكثر من طن من اليورانيوم النقي 233 في برامج الأبحاث السابقة.

ويمثّل هذا الطن من اليورانيوم 233، الذي تملكه حكومة الولايات المتحدة، المخبأ الكبير الوحيد لهذه المادة الموجود في أيّ مكان على وجه الأرض.

تذكروا أن اليورانيوم 233 لا يوجد في الطبيعة، ولا يمكن إنتاجه من الثوريوم إلّا باستعمال مفاعل مولد خاص.

وسيكون استعمال هذا الطن من اليورانيوم 233 لتزويد أول عدد من مفاعلات الثوريوم بالوقود، ومن ثم إنشاء برنامج لإنتاج المزيد من الثوريوم لتزويد بقية الأسطول بالوقود، بمثابة خطة جيدة، باستثناء مشكلتين صغيرتين.

أولًا، صُنِّف اليورانيوم 233 على أنه مادة نووية من المستوى الأول، تمامًا مثل البلوتونيوم المستعمَل في صنع الأسلحة، على الرغم من أن مشروع مانهاتن رفض ذلك بعَدِّه غير عملي لصنع قنبلة.

ثانيًا، لدى وزارة الطاقة الأميركية، بحكمتها اللامتناهية، خطة لتخزين هذا الطن ذي القيمة الهائلة من اليورانيوم 233، فهم يراهنون على إنفاق نصف مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لتدميره بشكل فعال، عن طريق مزجه مع اليورانيوم 233. اليورانيوم 238! ثم يخططون لإلقائه في الصحراء للتخلص منها.

التعهد “الثلاثي النووي” في السياق

وقّعت 25 دولة تعهدًا بقمة المناخ كوب 28 بمدينة دبي أواخر عام 2023، ووعدت بزيادة قدرة الطاقة النووية 3 مرات بحلول عام 2050.

وقد رأى العديد من الخبراء النوويين أن هذه خطة طموحة للغاية، على افتراض بناء المزيد من مفاعلات الماء الخفيف على أساس التصاميم، مثل مفاعل الماء المضغوط إيه بي 1000 الرائد لشركة ويستينغهاوس Westinghouse.

ونظرًا لأن مفاعلات الماء الخفيف تهدر 95% من وقود اليورانيوم الذي تستهلكه، فمن المشكوك فيه أن تتمكن صناعات تعدين اليورانيوم وتحويله وتخصيبه من زيادة الإنتاج بسرعة كافية.

وعلى الرغم من أن مضاعفة القدرة النووية 3 مرات تبدو هدفًا طموحًا، فإنها لا تكفي لإحداث تغيير ملموس في حل مشكلة تحول الطاقة.

ويتطلب استبدال الطاقة التي نحصل عليها من الوقود الأحفوري اليوم، بشكل كامل، زيادة القدرة النووية الحالية، ليس فقط بمقدار 3 مرات، ولكن بمقدار 28.3 مرة.

ومن غير الممكن أن نتمكن من بناء محطات نووية تقليدية أكبر حجمًا بمقدار 28 مرة بحلول عام 2100، ناهيك عن ذلك بحلول عام 2050، وحتى لو تمكّنّا من ذلك، فلن نكون قادرين على إنتاج ما يكفي من اليورانيوم المنخفض التخصيب لتزويدها بالوقود.

وحتى لو وجدنا طريقة، ستكون النتيجة أننا سنستمر في تكديس النفايات النووية بمعدل أكبر 28 مرة مما نقوم به حاليًا.

في المقابل، فإن الانتقال إلى دورة وقود الثوريوم التي تبدأ بنفايات الوقود المستهلك المعاد معالجته يمكن أن يزيل جميع النفايات النووية المخزّنة حاليًا بحلول عام 2050.

ويمكننا، واقعيًا، بناء قدرة كافية لتوليد الكهرباء بهذه الطريقة لحل تحول الطاقة بالكامل، وعلاج إدمان البشرية على الوقود الأحفوري اعتمادًا على تصميمات مفاعلات حديثة وأكثر أمانًا ونظافة، لكن هذا غير قانوني، على الأقل في الوقت الحالي، ولا توجد جهود جارية لإصلاح تلك القوانين.

الطاقة النووية مكلفة للمال والوقت

حتى لو أصلحنا التشريعات المعطلة، وفتحنا الباب أمام حل مشكلة تحول الطاقة وتخليص العالم من نفايات الوقود النووي في الوقت نفسه، فإن ذلك سيظل مكلفًا للغاية.

ولحل مشكلة تحول الطاقة بشكل حقيقي، نحتاج إلى معرفة طريقة جعل تكلفة الطاقة النووية الآمنة والنظيفة أقل من تكاليف الطاقة المستخرجة من الوقود الأحفوري اليوم.

ويتعين علينا أن نتوصل إلى طريقة بناء محطات الطاقة النووية بسرعة وكفاءة أكبر بكثير مما نفعله اليوم، لذا فإن مقالتي القادمة ستركز على طريقة تحقيق هذه الأهداف بالضبط، وسبب حدوث ذلك اليوم.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

إريك تاونسيند، ناشر سلسلة “أزمة تحول الطاقة” الوثائقية – المصدر: موقع ماكرو فويسز

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إقرأ: تاريخ محطات الطاقة النووية وسر تفوق الصين (مقال) على منصة الطاقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى